قد تبقى ملاحظة بسيطة عالقة في ذهنك لفترة أطول بكثير مما توقعه الشخص الذي قالها.
“كان بإمكانك القيام بهذا بشكل أفضل.”
“تبدو كشخص مختلف في الفترة الأخيرة.”
“لا أعتقد أن هذا كان أفضل قرار اتخذته.”
بالنسبة لبعض الأشخاص، تؤدي هذه العبارات الغرض منها. يفكرون في الملاحظة أو النصيحة، ثم يكملون يومهم.
لكن بالنسبة لآخرين، قد تظل الكلمات نفسها تدور في أذهانهم لساعات.
هل أنا لست جيدا بما يكفي؟
هل خيبت أمله؟
هل أصبحت صورتي سيئة في نظره؟
في كثير من الأحيان، لا يكون أصعب جزء في التعامل مع النقد هو النقد نفسه، بل كل المعاني التي نربطها به وما نعتقد أنه يقوله عنا.
وفهم ذلك قد يساعدك على التمييز بين النقد البناء وبين المشاعر التي تظهر لديك عند سماعه.
تخيل أن شخصا أخبرك أن العرض التقديمي الذي قدمته كان من الصعب متابعته.
الملاحظة هنا تتعلق بالعرض نفسه.
لكن عقلك قد يترجمها إلى:
“أنا غير كفء في عملي.”
أو ربما يخبرك شخص أن شيئا قلته جرح مشاعره.
بدلا من أن تفهم الأمر على أنه:
“هذه العبارة بالتحديد كانت مؤذية.”
قد يترجمه عقلك إلى:
“أنا شخص سيئ.”
وهذا أحد الأسباب التي تجعل النقد مؤلما عندما نأخذه بشكل شخصي؛ فقد يحول العقل ملاحظة تتعلق بموقف واحد إلى حكم على هويتك بالكامل.
قد يبدو الفرق بسيطا، لكنه كبير من الناحية العاطفية.
“لقد ارتكبت خطأ” تختلف تماما عن “أنت فاشل.”
و”لم تتعامل مع هذا الموقف بشكل جيد” تختلف عن “أنت شخص سيئ.”
عندما تتعلم الفصل بين شخصيتك وبين تصرفاتك، يصبح بإمكانك التعامل مع النقد بشكل أفضل دون أن تسمح له بتحديد نظرتك إلى نفسك.
هذا لا يعني تجاهل مسؤوليتك.
بل يعني أن ترى الموقف كما هو بالفعل.
في بعض الحالات، يصبح رد الفعل القوي تجاه النقد أكثر وضوحا عندما تنظر إلى تجاربك السابقة.
ربما كانت أخطاؤك تتعرض للكثير من الانتقاد في طفولتك.
وربما كان حصولك على القبول مرتبطا بنجاحك.
أو ربما اعتدت أن تكون الشخص المسؤول، أو الناجح، أو الشخص الذي لا يرتكب الأخطاء.
وقد تكون مررت أيضا بمواقف لم يكن فيها النقد بناء على الإطلاق، بل كان مصحوبا بالإحراج أو المقارنة أو الرفض أو الإدانة.
وبمرور الوقت، قد يتعلم عقلك هذا الارتباط:
النقد يعني أن هناك شيئا خاطئا في داخلي.
وقد يستمر هذا الارتباط حتى عندما لا يكون الشخص الذي ينتقدك الآن ينوي رفضك.
ولهذا قد يبدو الخوف من النقد أحيانا أكبر من الموقف نفسه.
فالمحادثة تحدث الآن، لكن جذور استجابتك العاطفية قد تعود إلى تجارب سابقة ارتبط فيها النقد لديك بالرفض.
قد تبدأ فورا في الدفاع عن نفسك.
وقد تلتزم الصمت.
وربما تشرح كل التفاصيل حتى تثبت أنك على حق.
أو قد توافق على كل شيء فقط حتى تنتهي هذه المحادثة غير المريحة.
ويمكن أن تحدث كل هذه الاستجابات تلقائيا، قبل أن تمنح نفسك فرصة للتفكير فيما إذا كان النقد مبررا أم لا.
ليس كل نقد متساويا.
هناك نقد مفيد.
وهناك نقد مفيد جزئيا.
وهناك نقد ناتج عن سوء فهم.
وأخيرا، هناك نقد غير عادل أو غير محترم أو يعبر ببساطة عن وجهة نظر شخصية.
المشكلة هي أنه عندما تكون المشاعر قوية، قد يصبح من الصعب التمييز بين أنواع النقد المختلفة.
ولهذا يبدأ التعامل مع النقد غالبا بالتوقف للحظة.
فبدلا من أن تسارع إلى التفكير:
كيف أدافع عن نفسي؟
اسأل أولا:
ما الذي يتم انتقاده تحديدا؟
ثم:
ما المعنى الذي أضيفه أنا إلى هذا النقد؟
على سبيل المثال، يقول لك شخص:
“لقد تأخرت مرتين هذا الأسبوع.”
هذه ملاحظة.
لكن عقلك قد يفسرها هكذا:
“إنهم يعتقدون أنني شخص غير مسؤول.”
قد يكون هذا التفسير صحيحا، وقد لا يكون كذلك.
لكن الفصل بين الملاحظة والتفسير يمنحك فرصة للتفكير بدلا من التصرف بشكل اندفاعي.
يمكنك أيضا أن تسأل نفسك إن كانت هناك أي معلومة مفيدة داخل هذا النقد.
فربما يكون 20% مما قيل صحيحا ومفيدا، بينما يكون 80% الآخر مبالغا فيه.
لست مضطرا إلى الموافقة على كل ما يقال حتى تستفيد من الجزء المفيد منه.
وفي المقابل، ليس عليك أن تتعامل مع كل تعليق سلبي باعتباره نقدا بناء.
فالوعي الذاتي لا يعني قبول كل أنواع النقد تلقائيا.
قد يثير النقد مشاعر مثل الإحراج أو الغضب أو القلق أو الدفاعية أو الخجل.
هذه المشاعر مهمة.
لكنها لا تخبرك دائما ما إذا كان النقد الذي تلقيته صحيحا أم لا.
قد تشعر بالإهانة من شيء صحيح.
وقد تشعر بالإهانة أيضا من شيء غير صحيح تماما.
ولهذا لا يمكن اعتبار استجابتك العاطفية للنقد دليلا نهائيا على صحة ما قيل.
إذا أثار تعليق معين لديك رد فعل دفاعيا قويا، فقد يكون من المفيد أن تسأل نفسك:
لماذا أشعر أن هذا التعليق يهددني؟
هل لامس نقطة أشعر تجاهها بعدم الأمان؟
هل مس صورة أو هوية بنيتها لنفسي؟
هل كانت طريقة حديث الشخص معي مهينة، رغم أن جزءا مما قاله قد يكون صحيحا؟
أم أنني مرهق عاطفيا إلى درجة تجعل الاستماع إلى النقد صعبا في هذه اللحظة؟
فهم سبب شعورك بهذه الطريقة يساعدك على التمييز بين الأمور.
أحيانا ستحتاج إلى تحسين شيء ما.
وأحيانا ستحتاج إلى توضيح سوء فهم.
وأحيانا ستحتاج إلى وضع حدود للطريقة التي يسمح بها للآخرين بالتحدث معك.
الهدف ليس أن تصل إلى مرحلة لا يعود فيها النقد يؤثر فيك على الإطلاق.
فبعض أنواع النقد ستظل مؤلمة.
وبعض الملاحظات ستجعلك تشعر بعدم الارتياح.
وقد تمر بمواقف تحتاج فيها إلى بعض الوقت قبل أن تتمكن من النظر إلى ما قيل بموضوعية.
لكن الفرق هو أن النقد لم يعد مضطرا لأن يتحول تلقائيا إلى حكم على هويتك.
في CHE Academy، يعني الوعي الذاتي أن تلاحظ ما يحدث بداخلك قبل أن تقرر ما الذي يعنيه هذا الموقف بالنسبة لك.
وعندما يجعلك النقد تتفاعل بقوة، يمكنك أن تبدأ بمحاولة فهم هذا التفاعل بدلا من تصديق كل ما توحي به مشاعرك في تلك اللحظة.
اسأل نفسك:
يمكنك الاستفادة من الملاحظات دون أن تسمح لها بتحديد هويتك.
يمكنك الاعتراف بخطأ دون أن تصبح أنت ذلك الخطأ.
ويمكنك أيضا الاستماع إلى وجهة نظر الآخرين مع الاستمرار في الاحتفاظ بنظرتك إلى نفسك.