في كثير من الأحيان، قد لا يفصل بين حوار جيد وجدال سوى بضع ثوان.
يقول شخص ما شيئا يزعجك.
تظهر الفكرة في ذهنك على الفور تقريبا.
وتبدأ في الشعور بها جسديا.
وقبل أن تحصل حتى على فرصة للتفكير فيما تريد قوله، تكون الكلمات قد خرجت بالفعل.
وبعد ذلك، قد تتساءل:
لماذا قلت ذلك؟
هنا يظهر الفرق بين التصرف برد فعل والاستجابة بوعي.
يحدث رد الفعل بسرعة، وغالبا ما تدفعه المشاعر أو العادات أو التوتر أو الرغبة الفورية في حماية النفس.
أما الاستجابة فتتضمن المشاعر أيضا، لكنها تضيف إليها الوعي.
تلاحظ ما تشعر به.
وترى ما يحدث حولك.
ثم تتخذ قرارك.
قد يكون الموقف نفسه تماما، لكن النتيجة مختلفة بشكل كبير.
قد يبدو رد الفعل غريزيا تقريبا.
إذا علق شخص على أدائك، فقد تسارع مباشرة إلى الدفاع عن نفسك.
وإذا تحدث معك أحد أفراد عائلتك بطريقة تزعجك، فقد يرتفع صوتك.
وإذا ألغى صديق خططكما فجأة، فقد ترسل رسالة غاضبة قبل أن تحاول حتى معرفة ما حدث.
في مثل هذه اللحظات، قد يكون عقلك يستجيب لما يعتبره تهديدا.
ولا يشترط أن يكون هذا التهديد جسديا.
فقد يكون الشعور بالإحراج، أو الرفض، أو عدم الاحترام، أو التعرض للنقد، أو فقدان السيطرة، أو الخوف من أن يساء فهمك.
لهذا السبب قد يبدو رد الفعل تحت الضغط سريعا للغاية.
فالشعور يأتي أولا.
أما التفسير فيأتي بعده.
وجود رد فعل عاطفي قوي لا يعني أنك ارتكبت خطأ.
فالغضب، وخيبة الأمل، والقلق، والإحراج، والإحباط كلها مشاعر إنسانية طبيعية.
تبدأ الصعوبة عندما يتحول الشعور فور ظهوره إلى تصرف.
لنفترض مثلا أنك تلقيت رسالة قصيرة في العمل:
“دعنا نتحدث عن عملك.”
قد تبدأ في الشعور بالتوتر على الفور.
ويبدأ عقلك في تكوين تفسير:
لا بد أنني ارتكبت خطأ.
هو غير راض عني.
ستحدث مشكلة.
المشاعر حقيقية.
لكن التفسير الذي يصنعه عقلك قد لا يكون دقيقا.
فالمشاعر تمنحك معلومات.
لكنها لا تمنحك دائما الصورة كاملة.
تبدو فكرة التوقف للحظة بسيطة.
لكن تطبيقها قد يكون أصعب مما يبدو.
عندما تكون غاضبا أو متوترا، قد تشعر برغبة قوية في التصرف فورا.
تريد الرد على الرسالة.
أو تصحيح ما قاله الطرف الآخر.
أو الدفاع عن نفسك.
أو شرح كل شيء.
أو مغادرة المكان.
لكن تعلم التوقف للحظة عندما تشعر بالرغبة في الرد يمنحك شيئا مهما: الوقت.
حتى القليل من الوقت قد يساعدك على أن تسأل نفسك:
كيف أشعر الآن؟
ما الذي أفترضه؟
ما الذي أعرفه بالفعل؟
ماذا أريد أن تكون نتيجة هذا النقاش؟
الهدف ليس الانتظار حتى تختفي مشاعرك.
بل منع رد الفعل الأول من اتخاذ جميع القرارات نيابة عنك.
الاستجابة بوعي لا تعني أن تكون هادئا أو متساهلا طوال الوقت.
فأحيانا تكون الاستجابة المناسبة حازمة.
وهناك مواقف تحتاج فيها إلى إخبار الطرف الآخر بأن شيئا ما أزعجك.
وفي أحيان أخرى، يصبح وضع الحدود ضروريا.
الفرق هو أنك تختار طريقة استجابتك بدلا من أن تنجرف وراء رد الفعل.
لنفترض مثلا أن شخصا يقاطعك باستمرار أثناء اجتماع.
قد يكون رد الفعل:
“هل يمكنك التوقف عن مقاطعتي ولو لمرة واحدة؟”
أما الاستجابة الأكثر وعيا فقد تكون:
“أود أن أنهي وجهة نظري أولا، وبعد ذلك يسعدني سماع رأيك.”
الاستجابتان تتعاملان مع المشكلة نفسها، لكن كل واحدة منهما تفعل ذلك بطريقة مختلفة.
يجعلنا التوتر نشعر بأن المساحة المتاحة أمامنا أقل.
فعندما تكون متعبا أو مثقلا بالمسؤوليات أو قلقا أو تحت ضغط بالفعل، قد تبدو الأشياء أكبر مما هي عليه.
شيء كان سيزعجك قليلا في الظروف العادية قد يصبح فجأة أكثر استفزازا.
وقد يبدو تأخير بسيط وكأنه عدم احترام.
وقد يبدو سؤال عادي وكأنه اتهام.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل ردود أفعالنا أقوى في أوقات الضغط.
فأنت لا تتفاعل فقط مع ما يحدث في تلك اللحظة.
بل قد تحمل معك أيضا كل ما تراكم قبلها.
لهذا يصبح الوعي الذاتي أكثر أهمية عندما ترتفع مستويات التوتر.
فأحيانا لا يكون السؤال:
“لماذا كان رد فعلي قويا إلى هذه الدرجة؟”
بل:
“ما الأشياء الأخرى التي أحملها معي إلى هذا الموقف؟”
التواصل الفعال لا يعتمد فقط على اختيار الكلمات المناسبة.
بل يعتمد أيضا على قدرتك على ملاحظة ما يحدث داخلك أثناء الحديث.
يساعدك الوعي الذاتي في التواصل على ملاحظة اللحظات التي تصبح فيها دفاعيا، أو قليل الصبر، أو منسحبا، أو منفعلا أكثر من المعتاد.
ربما تبدأ في التحدث بسرعة عندما ينتقدك أحد.
وقد تلجأ إلى السخرية عندما تشعر بعدم الارتياح.
وربما تلتزم الصمت تماما عند ظهور أي خلاف.
من المفيد أن تتعرف على هذه الأنماط، لأن سلوكك يؤثر في الحوار حتى عندما لا تقصد ذلك.
وكلما فهمت أسلوبك في التواصل بشكل أوضح، أصبح من الأسهل تغييره عندما تحتاج إلى ذلك.
ليس من الضروري حل كل مشكلة فورا.
أحيانا قد تكون أفضل استجابة هي:
“أحتاج إلى بعض الوقت قبل أن نكمل هذا النقاش.”
هذا لا يعني بالضرورة أنك تتجنب المشكلة.
بل قد يكون جزءا من تنظيم المشاعر.
إذا كنت منفعلا لدرجة تمنعك من التواصل بوضوح، فقد يؤدي استمرار النقاش إلى جعل الموقف أكثر صعوبة.
ومنح نفسك بعض الوقت قد يساعدك على الهدوء والعودة إلى النقاش بذهن أكثر صفاء.
المهم هو أن تعود إلى الحوار.
فهناك فرق بين تجنب كل نقاش صعب وبين اختيار الوقت الأنسب لإجرائه.
غالبا ما تكون لردود الفعل التلقائية وظيفة معينة.
فقد يحميك اتخاذ موقف دفاعي من الشعور بالإحراج.
وقد يحميك الانسحاب من الدخول في صراع.
وقد يجعلك الغضب تشعر بالقوة في وقت تشعر فيه بالأذى.
وقد تبدو هذه الاستجابات منطقية في لحظتها.
لكن ما يحميك من الإحراج لخمس دقائق قد يخلق مشكلة أكبر لاحقا.
فالدفاع المستمر عن النفس قد يمنعك من الاستفادة من النقد.
والانسحاب قد يجعل الشخص الآخر يشعر بالتجاهل.
والغضب قد يحول خلافا بسيطا إلى صراع أكبر.
التعرف على ردود أفعالك التلقائية لا يعني أن تنتقد نفسك بسببها.
بل يعني أن تسأل نفسك ما إذا كانت لا تزال تساعدك أم لا.
عندما تكون المشاعر قوية، نميل إلى التركيز على ما نريد قوله.
لكن هناك سؤالا آخر قد يكون أكثر فائدة:
“ماذا أريد أن يحدث بعد أن أقول هذا؟”
هل تريد أن يفهمك الطرف الآخر؟
هل تريد حل المشكلة؟
هل تريد وضع حدود؟
هل تنتظر اعتذارا؟
أم أنك تحتاج فقط إلى إخراج ما بداخلك؟
يمكن لإجابتك عن هذا السؤال أن تغير طريقة تواصلك.
فإذا كان هدفك أن يفهمك الطرف الآخر، فمن المحتمل ألا يساعدك الصراخ.
وإذا كان هدفك وضع حدود واضحة، فقد لا تكون الإجابة الغامضة كافية.
التفكير في النتيجة التي تريدها يمكن أن يحول رد الفعل الاندفاعي إلى استجابة أكثر وعيا.
الوعي الذاتي لا يعني أنك لن تتصرف باندفاع مرة أخرى.
فقد تجد نفسك في موقف دفاعي أحيانا.
وقد تقول شيئا تندم عليه لاحقا.
وربما لا تدرك إلا بعد انتهاء الموقف أن التوتر أثر في الطريقة التي تعاملت بها معه.
هذا لا يعني أن الوعي لم يكن مفيدا.
بل قد يكون ذلك جزءا من العملية نفسها.
في البداية، قد تدرك رد فعلك بعد انتهاء الحوار.
ثم تبدأ في ملاحظته أثناء الحوار.
وفي النهاية، قد تتمكن من ملاحظته قبل أن تتصرف.
وهذا التغيير الصغير مهم.
الفرق بين رد الفعل والاستجابة لا يتعلق بأن تصبح شخصا بلا مشاعر.
بل يتعلق بامتلاك قدر كاف من الوعي يسمح لك باتخاذ قرار.
يمكنك أن تشعر بالغضب وتقرر ألا تدخل في مواجهة.
ويمكنك أن تشعر بالانزعاج وتستمر في التواصل بوضوح.
ويمكنك أن تشعر بالقلق وتمنح نفسك بعض الوقت قبل القفز إلى الاستنتاجات.
في CHE Academy، لا يقتصر الوعي الذاتي على معرفة ما تشعر به بعد انتهاء المشاعر.
فعندما تعرف ما تشعر به، ولماذا تشعر بهذه الطريقة، وما الذي تريد فعله بناء على هذا الوعي، فإنك لم تعد تتصرف فقط كرد فعل على الموقف.
بل تستجيب له بوعي.