في بعض الأحيان، يبدو رد فعلك أكبر من الموقف نفسه.
قد تثيرك ملاحظة بسيطة، أو ينتقد مديرك عملا قضيت الصباح كله في إنجازه، أو يتأخر صديقك المقرب في الرد لساعات، فتبدأ في تخيل أسباب وسيناريوهات مختلفة تفسر عدم رده عليك.
وبعد أن تهدأ المشاعر الأولى، تجد نفسك تتساءل:
لماذا أثر في هذا الموقف إلى هذه الدرجة؟
في كثير من الأحيان، قد لا يتعلق الأمر بالموقف نفسه بقدر ما يتعلق بالمعنى الذي يمثله لك.
وهنا تظهر أهمية التعرف على المحفزات العاطفية.
فالمحفزات لا ترتبط بالضرورة بأحداث كبيرة أو شديدة الأهمية، بل قد تكون مواقف أو تعليقات أو تصرفات أو تفاعلات تثير بداخلك استجابة عاطفية.
والتعرف عليها يساعدك على فهم الأسباب التي تجعلك تتصرف بالطريقة التي تتصرف بها.
ليست كل المحفزات واضحة.
أحيانا قد يكون المحفز هو أن يقاطعك شخص أثناء حديثك.
وفي أحيان أخرى، قد يكون تلقي نوع من النقد.
وقد تشمل الأمثلة إلغاء خطة، أو عدم الرد على رسائلك، أو الاختلاف معك أمام الآخرين، أو استخدام نبرة معينة في الحديث، أو استبعادك من نقاش.
يمكن لشخصين أن يمرا بالموقف نفسه تماما، ومع ذلك تكون استجابة كل منهما مختلفة تماما عن الآخر.
لنفترض مثلا أن مديرا قدم الملاحظات نفسها لاثنين من موظفيه.
قد يتقبل أحدهما الملاحظات ويواصل عمله، بينما يشعر الآخر بالإحراج أو الانزعاج.
رغم أن الملاحظات كانت واحدة، فإن معناها العاطفي كان مختلفا لكل منهما.
نحن لا نستجيب للحدث نفسه فقط.
بل نستجيب أيضا لما نعتقد أن هذا الحدث يعنيه.
قد يلغي صديقك موعد العشاء لأن أمرا طارئا حدث ببساطة.
لكن عقلك قد يفسر الأمر على أنه:
هو لا يحترم وقتي.
قد يصحح لك زميلك في العمل شيئا لأنه يحاول مساعدتك.
لكن ما قد يدور في ذهنك هو:
هو يعتقد أنني غير كفء.
وقد يحتاج شخص ما إلى بعض المساحة لأنه يمر بضغوط كثيرة.
لكن رد فعلك الأول قد يكون:
إنه يبتعد عني.
تحدث هذه التفسيرات بسرعة كبيرة، وأحيانا قبل أن تتاح لنا فرصة التفكير في تفسير آخر.
لهذا السبب، يتطلب فهم المحفزات العاطفية النظر إلى ما هو أبعد من الحدث نفسه.
فبدلا من أن تسأل فقط:
ماذا حدث؟
قد يكون من المفيد أن تسأل:
ماذا اعتقدت أن هذا الموقف يعني عني أو عن الشخص الآخر؟
يمكن للمشاعر القوية أن تظهر بسرعة كبيرة.
يتغير معدل ضربات قلبك. يتوتر جسدك. تتغير نبرة صوتك. وقد تشعر برغبة في الجدال، أو الانسحاب، أو الدفاع عن نفسك، أو مغادرة المكان.
وبحلول اللحظة التي تدرك فيها أنك غاضب، ربما يكون جسدك قد بدأ بالفعل في الاستجابة لمشاعرك.
هذا لا يعني أنك لا تستطيع فعل شيء حيال ذلك.
بل يعني أن ملاحظة ردود أفعالك في وقت مبكر يمكن أن تحدث فرقا.
ربما تشعر بأن عضلات كتفيك تبدأ في التوتر قبل بدء الجدال.
وربما تتوقف عن الكلام عندما تتعرض للنقد.
أو تصبح دفاعيا بشكل زائد عندما تعتقد أن الشخص الآخر يشعر بخيبة أمل تجاهك.
كل هذه الإشارات الصغيرة يمكن أن تصبح مؤشرات مفيدة.
فكلما لاحظت مشاعرك مبكرا، زادت فرصتك في اختيار ما ستفعله بعد ذلك.
قد لا يخبرك موقف صعب واحد بالكثير.
لكن تكرار المواقف قد يفعل ذلك.
إذا كنت تريد التعرف على محفزاتك، فابدأ بملاحظة المواقف التي تثير لديك ردود فعل عاطفية قوية بشكل متكرر.
ربما يجعلك النقد في موقف دفاعي دائما.
وقد يثير تجاهلك شعورا بالقلق.
وربما تسبب لك التغييرات في اللحظة الأخيرة إحباطا شديدا.
وقد يدفعك الشعور بالاستبعاد إلى الانسحاب تماما.
بعد أي رد فعل عاطفي قوي، يمكنك أن تبدأ بطرح بعض الأسئلة البسيطة على نفسك:
ما الذي حدث قبل أن أشعر بهذه الطريقة؟
ما أول شعور لاحظته؟
ماذا كنت أقول لنفسي عن الموقف؟
هل استجبت بهذه الطريقة من قبل في مواقف مشابهة؟
ما أول شيء أردت فعله بعد ذلك؟
لا تحتاج إلى الحكم على إجاباتك.
في هذه المرحلة، أنت تبحث فقط عن الأنماط المتكررة.
وهذا فرق مهم.
مجرد شعورك بالرفض لا يعني بالضرورة أنك تعرضت للرفض.
ومجرد شعورك بأن الآخرين يحكمون عليك لا يعني أنهم فعلوا ذلك بالفعل.
ومجرد شعورك بالتجاهل لا يعني بالضرورة أن شخصا تعمد تجاهلك.
مشاعرك حقيقية، لكن تفسيرك الأول للموقف قد لا يعكس الصورة كاملة.
إذا لم يرد شخص على رسالتك لساعات، فقد يخبرك رد فعلك العاطفي:
إنه يتجاهلني عمدا.
هذا تفسير محتمل.
لكن من الممكن أيضا أن يكون مشغولا، أو نائما، أو يقود السيارة، أو يتعامل مع مشكلة ما، أو ببساطة بعيدا عن هاتفه.
التعرف على المحفز العاطفي لا يعني تجاهل مشاعرك أو التقليل منها.
بل يساعدك على ترك مساحة بين ما تشعر به وبين ما تفترض أنه حدث بالفعل.
عندما يغيب الوعي، يمكن أن تتحول الأنماط العاطفية إلى ردود فعل تلقائية.
يحدث شيء.
تشعر بشيء.
تستجيب.
ثم تتعامل مع النتائج.
أما تطوير الوعي الذاتي بالمشاعر، فيضيف مساحة صغيرة إلى هذه العملية.
يحدث شيء.
تلاحظ ما تشعر به.
تفهم ما الذي أثاره الموقف بداخلك.
ثم تقرر كيف تريد أن تستجيب.
قد لا تستغرق هذه الوقفة سوى بضع ثوان، لكنها قد تغير مسار الحوار بالكامل.
فبدلا من إرسال رسالة غاضبة فورا، تنتظر قليلا.
وبدلا من اتخاذ موقف دفاعي، تطلب توضيحا.
وبدلا من القفز إلى استنتاج أنك تعرضت للرفض، تفكر فيما إذا كان هناك تفسير آخر.
الوعي الذاتي لا يلغي المشاعر.
بل يمنع كل شعور من أن يتحول تلقائيا إلى تصرف.
هناك فرق بين إدارة المشاعر والتظاهر بأنها غير موجودة.
أن تقول لنفسك: “لا يجب أن أغضب”، لا يعني أن الغضب سيختفي.
كما أن الظهور بهدوء بينما يدور في ذهنك الكثير من الأفكار والمشاعر لا يعني بالضرورة أنك تعاملت معها.
تبدأ إدارة المحفزات العاطفية أولا بإدراك ما يحدث داخلك والاعتراف به.
قد تقول لنفسك:
أشعر بأنني في موقف دفاعي الآن.
أثر في هذا التعليق أكثر مما توقعت.
أحتاج إلى بعض الوقت قبل أن أرد.
هذا الإدراك البسيط قد يساعد على كسر سلسلة رد الفعل التلقائي.
بعد ذلك، يمكنك تجربة بعض أساليب التأقلم، مثل التنفس ببطء، أو الابتعاد عن الموقف لفترة قصيرة، أو كتابة أفكارك، أو مراجعة تفسيرك لما حدث، أو تأجيل الحديث حتى تهدأ حدة المشاعر.
إدارة مشاعرك لا تعني أن تختفي.
بل تعني ألا تتركها تتخذ كل قراراتك نيابة عنك.
المحفز العاطفي ليس دائما مشكلة تحتاج إلى التخلص منها.
فقد يحمل في بعض الأحيان معلومات مفيدة.
إذا كنت تشعر بالإحباط بشكل متكرر عندما يقاطعك الآخرون، فقد يشير ذلك إلى حاجتك للشعور بالاحترام.
وإذا كنت تشعر بالإرهاق كلما طلب منك شخص خدمة إضافية، فقد تكون حدودك الشخصية بحاجة إلى المزيد من الاهتمام.
أما القلق الشديد من ارتكاب الأخطاء، فقد يكشف عن مقدار الضغط الذي تضعه على نفسك لتكون مثاليا.
لا تمنحك المشاعر الإجابة مباشرة، لكنها قد تقدم لك إشارات إلى المكان الذي ينبغي أن تبحث فيه.
فبدلا من أن تسأل:
كيف أتوقف عن الشعور بهذا؟
يمكنك أن تسأل نفسك:
ماذا يحاول رد الفعل هذا أن يخبرني؟
بهذا التغيير، تتحول المشاعر إلى معلومات تساعدك على فهم نفسك بشكل أفضل.
الوعي الذاتي لا يعني الوصول إلى مرحلة لا يزعجك فيها أي شيء.
قد تعرف أحد محفزاتك جيدا، ومع ذلك تستجيب له.
وقد تدرك في منتصف جدال أنك أصبحت دفاعيا.
وفي بعض الأحيان، قد لا تفهم سبب ما حدث إلا بعد مرور عدة ساعات.
وكل هذا يظل جزءا من الوعي الذاتي.
مع الوقت، قد يتحول إدراكك لما حدث بعد انتهاء الموقف إلى إدراك أثناء حدوثه، ثم يتطور تدريجيا إلى ملاحظة رد فعلك قبل أن تتصرف.
يمكن أن تكشف محفزاتك العاطفية الكثير عن طريقة تعاملك مع العلاقات، والضغط، والنقد، والحدود، والتوقعات.
والهدف ليس أن تصبح شخصا لا يتأثر عاطفيا.
بل أن تعرف نفسك بما يكفي لتلاحظ متى تبدأ في الانزلاق إلى نمط عاطفي مألوف.
في CHE Academy، يعني الوعي الذاتي استخدام هذه المواقف اليومية كفرص لفهم نفسك بشكل أوضح.
لأنك عندما تعرف ما الذي يحفز مشاعرك، وما الذي تشعر به، وما الذي يفترضه عقلك بشكل فوري، فإنك تخلق مساحة مهمة بين الشعور ورد الفعل.
وهذه المساحة تسمى:
الاختيار.